محمد العربي الخطابي
389
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
ليس ممتنعا أن يكون الدّواء المخصوص بخلط ما إذا ضعفت كميّته أسهل خلطا آخر ، ولذلك ما يزعمون أنّ الأدوية التي تجذب السوداء قد تجذب الأخلاط البلغمية التي قارعت [ ضارعت ] السوداء . وأما السّموم فإنّ فعلها في البدن يكون بجميع ضروب أفعال الأدوية ، أعني أنّ بعضها يفعل ذلك بكيفيّات أوّل مثل الأفيون الذي يخدّر ببرده ، ولذلك يمكن في مثل هذه إذا تنوول منها اليسير وحجبت أن تكون أدوية ، وبعضها يفعل ذلك بجملة جوهره - أعني أنه يحيل بدن الحيّ كالذهب المكلّس وغيره فليس يمكن أن تستعمل في الدواء أصلا ، وبعضها يقتل بشدّة جذبه الأخلاط حتى إنه يخنق كما يقال في الخربق الأبيض ، وبعضها يسهل الدم . وأما البازهرات فتفعل الشفاء من هذه [ أي من السّموم ] بمثل هذه الأفعال بعينها ، أعني أنّ بعضها تحيل بكيفياتها كيفيات السّموم وذلك إذ كانت مضّادة لها ، وبعضها تفعل ذلك بجملة جوهرها ، وبعضها يفعل ذلك بالجذب . وهذه البازهرات إنّما تكون شافية متى تنوولت وفي البدن حالة خارجة عن الطبع من أحد السّموم ، وذلك أنها تفعل حينئذ في البدن فعلا مضادا لفعل السمّ فيكون عن ذلك برء بالعرض ، ولذلك متى تناولها الصحيح في جنس واحد كانت سمّا ، ومن هنا قال الأطبّاء إنها متوسطة بين السموم والأدوية ، والمتوسّط إنّما يفهم منه - أكثر ذلك - أنه في جنس واحد هو والأطراف ، وما كان من جنس واحد فهو شبيه ، وليس الأمر كذلك في البازهرات والسمّ ، ولذلك الأولى أن نقول إن البازهرات في غاية المضادّة للسمّ ، فإن الضدّ إنما شفاؤه أبدا في كل حال بالضدّ ، وإنما السبب في أن تقتل البازهرات إذا تناولها الصحيح أنها إنما تفعل الشفاء في بدن الحيّ إذا كان به مزاج سمّيّ وكأنّ هذه الأدوية لها فعلان اثنان في بدن الإنسان : فعل سمّيّ ، وذلك إذا تنوولت من غير أن يكون في البدن مزاج سمّي ، وفعل مخلّص وذلك إذا تنوولت وفي البدن مزاج سمّي فكأنّها سموم من جهة وأدوية من جهة أخرى لا أنها أدوية من جهة أنها سموم ، وذلك أنه ليس ينكر أن تختلف أفعال الفاعل الواحد باختلاف أحوال موضوعاته فيكون الدواء الحافظ إذا ورد البدن الصحيح كان سمّا وإذا ورد البدن المسموم كان شافيا .